النويري
35
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولما كانت هذه الغزاة المبرورة ، والحركات التي عدت حسناتها في صحائف القبول مسطورة ، والسّفرة التي أسفرت بحمد اللَّه عن الغنيمة والسلامة ، وأعلمت الأمة بركة قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتّى ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة » . وكنت ممن شملته نفحات الرحمة فيها ، وهبّت عليه رياح النّصر التي كانت ترجّيها [ 1 ] ، وشاهدت صدق العزائم الملكية الناصرية ، التي طلعت في سماء النّقع نجوما وقّادة ، وشهدت في محضر الغزو على إقرار العدى بالعجز ، وكيف لا وذاك الموطن محلّ الشهادة ، ورأيت كيف أثبت السيف لنا الحقّ لأنه القاضي في ذلك المجال ، وكيف نفذت السهام لأجل تصميمه في الحكم ، فلم تمهل حتى أخذت دين الآجال وهو حالّ ، وقد أحببت أن أذكر من أمرها ملحة تنشرح منها [ 2 ] الصدور ، وآتى بلمعة تعرب عن ذلك النور ، وها أنا أذكر نبأ السفر من افتتاحه ، وأشرح حديث هذه الغزاة من وقت صباحه ، فأقول : ركب مولانا السلطان الملك [ 3 ] الناصر خلد اللَّه ملكه - بنيّة صالحة أخلصها في سبيل ربّه ، وعزيمة ناجحة ماثلت في المضاء سمر عواليه وبيض قضبه ، من قلعة مصر التي هي كنانة اللَّه في أرضه ، بجيوشه التي نهضت بسنن الجهاد وفرضه ، تقدمها أمراؤه الذين كأنهم ليوث غاب ، أو غيوث سحاب ، أو بدور ليال ، أو عقود لآل [ 4 ] معتضدا [ 5 ] ببضعة من الرسول ، منتصرا بابن عمه ، الذي لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه ، ولا يطول ، ملتمسا بركة هذا البيت الشريف الذي طالما كانت الملائكة من نجده وجنده ، مسترسلا بيمنة الإيمان سحب كرمه ، مستدعيا صادق وعده . وسار على اسم اللَّه تعالى بالجاريات الجياد ، التي تعدو في سبيل اللَّه النجاد ، وتعلو الهضاب ، وسرى يقطع المنازل ، ويطوى المراحل طىّ السّجلّ للكتاب ، والجيوش المنصورة قد أرهفت
--> [ 1 ] كذا في الأصول . وفى السلوك 1 : 1028 « تزجيها » . [ 2 ] وفى ص « ينشرح بها » . [ 3 ] الإضافة من السلوك 1 : 1029 . [ 4 ] أي لآلىء . [ 5 ] في الأصول « مقتصدا » والمثبت من السلوك 1 : 1029 .